نص السؤال

كيف تقولون بحجِّيَّةِ فهمِ السلفِ، وقد تغيَّر العصرُ؟

المصدر: مركز أصول

عبارات مشابهة للسؤال

دعوى أن العصرَ قد تغيَّر، ولسنا مُلزَمِينَ فيه بأقوالِ أحدٍ مِن العصورِ السابقة.

الجواب التفصيلي

إن الدعوةَ إلى عدمِ تجاوُزِ فهمِ أصحابِ القرونِ الثلاثةِ الأُولى للقرآنِ الكريمِ: توجُّهٌ خطيرٌ؛ حيثُ إنه يحصُرُ معانيَ القرآنِ في دائرةِ فهمِ زمَنٍ محدَّدٍ، ومَن في مستوى نَسَقِهم المعرفيّ.

مختصر الجواب

مضمونُ السؤال: 

  إن الزمانَ قد تغيَّر، والعصرَ الذي نعيشُ فيه ليس عصرَ السلَف؛ وهذا مِن وجهةِ نظرِ صاحبِ السؤال؛ فهو يَجعَلُ في التسليمِ لهم في فهمِهم طعنًا في صلاحِيَةِ الوحيِ لكلِّ زمانٍ ومكان.

مختصَرُ الإجابة:

إننا نسلِّمُ بتغيُّرِ الزمانِ والمكان، وأن لذلك أثرًا في النظَرِ الفِقْهيِّ للفتوى؛ لكنْ نقولُ: إن القضايا المستجِدَّةَ والحادثةَ ليست بحاجةٍ إلى فهمٍ جديدٍ للنصِّ يختلِفُ عن فهمِ السلف، وإنما تحتاجُ إلى فقيهٍ يَفهَمُ النصَّ على حقيقتِهِ - باستخراجِ العلَّةِ أو الوصفِ المؤثِّرِ في الحُكم - كما فَهِمَهُ السلفُ (تخريج المناط)، ثم ينقِّحُ العلَّةَ مِن ذلك الحكمِ الذي دَلَّ عليه النصُّ، ويبيِّنُها، ويخلِّصُها مِن العِلَلِ غيرِ المؤثِّرةِ في الحكمِ (تنقيح المناط)، ثم يحقِّقُها على هذه القضيَّةِ المستجِدَّةِ المعيَّنةِ المشخَّصةِ التي تحتاجُ إلى بيانِ الحكمِ الشرعيِّ فيها (تحقيق المناط)؛ وهذه مُهِمَّةُ الفقيهِ في كلِّ زمانٍ ومكان.

وبذلك نُغلِقُ البابَ أمام العَلْمانيِّين الذين ينادُون بتاريخيَّةِ النصِّ، وهي دعوى تؤدِّي إلى انتهاكِ قُدْسيَّةِ النصِّ الشرعيِّ؛ ليتحوَّلَ مِن حاكمٍ إلى محكوم، وتكونَ المرجعيَّةُ للإنسانِ والواقع، ويكونَ النصُّ مجرَّدَ غطاءٍ للتبرير.

وهذه الدعوى تستبطِنُ أساسًا باطلًا، وهو الفهمُ غيرُ الصحيحِ لقاعدةِ: «تغيُّرِ الفتوى بتغيُّرِ الزمانِ والمكان»؛ فحقيقةُ هذه الدعوى: أن أحكامَ الشريعةِ نسبيَّةٌ، وليست مطلَقةً، وأنها أحكامٌ تتعلَّقُ بوقائعَ وحوادثَ جزئيَّةٍ، وأنها ليست صالحةً لكلِّ زمانٍ ومكان.

والحقُّ أنه ما مِن مسألةٍ مِن «مسائلِ الدِّينِ»، إلا وقد تكلَّم فيها السلفُ؛ وهذه المسائلُ على نوعَيْنِ، هما: مسائلُ عِلميَّةٌ يجبُ الإيمانُ بها؛ كالصفاتِ، والقَدَرِ، واليومِ الآخِرِ، ونحوِ ذلك؛ فهذه لا عَلاقةَ لها بتغيُّرِ العصر، ومسائلُ الأحكامِ العمَليَّةِ؛ فهذه يُحقَّقُ مناطُ الحُكمِ فيها، وَفْقًا لمنهجِ السلفِ والأئمَّةِ في ذلك، ومِن ثَمَّ تغيُّرُ الفتوى فيها متوقِّفٌ على تحقيقِ المناطِ، والمناطُ قد يتغيَّرُ في العصرِ الواحد؛ وعليه فلا عَلاقةَ بين تغيُّرِ الحُكمِ نفسِهِ، وتغيُّرِ العصر، مع مراعاةِ المشابَهةَ بين الناسِ في العاداتِ والأحوالِ التي تمُرُّ بها البشَريَّةُ في شتَّى أعصارِها؛ وهذا أمرٌ مسلَّمٌ به.

خاتمة الجواب

خاتِمةُ الجواب - توصية:

إن هذه الشبهةَ مما أثاره بعضُ أصحابِ الاتِّجاهاتِ التنويريَّةِ والعَلْمانيَّةِ والحَداثيَّة، وهم على درَجاتٍ في موقِفِهم مِن مبدأِ تطبيقِ الشريعة، ومما يَلفِتُ النظرَ: أنهم - مع كثرةِ طعونِهم في فقهِ السلفِ وفهمِهم - لم يُنتِجوا فقهًا مكتمِلًا يَشمَلُ جميعَ أحكامِ الشريعة؛ بحيثُ يُمكِنُ الرجوعُ إليه في إقامةِ الشريعةِ في شؤونِ الناسِ وتصرُّفاتِهم؛ وهذا يُثيرُ الشكَّ في صدقِهم في تبنِّي مسألةِ إقامةِ الشريعة. ونُريدُ أن نَختِمَ جوابَ هذه الشبهةِ: بإيرادِ نصٍّ لأحدِ الفقهاءِ، مِن غيرِ المحسوبين تاريخيًّا على مدرسةِ أهلِ الحديث، بل هو معدودٌ مِن أئمَّةِ الكلامِ، الذين لا تقفُ منهم تلك الاتِّجاهاتُ موقِفًا عدائيًّا، وهو شيخُ الإمامِ الغزَاليِّ، ونعني به: إمامَ الحرَمَيْنِ الجُوَيْنيَّ، حيثُ يبيِّنُ في هذا النصِّ المآلَ الخطيرَ لدعوى: «تغيُّرِ الأحكامِ بتغيُّرِ الزمانِ والمكان»؛ حيثُ يقولُ: «ولو كانت قضايا الشرعِ تختلِفُ باختلافِ الناس، وتناسُخِ العصور، لانحَلَّ رباطُ الشرع، ورجَعَ الأمرُ إلى ما هو المحذورُ مِن اختصاصِ كلِّ عصرٍ ودهرٍ برأي؛ وهذا يناقِضُ حِكمةَ الشريعةِ في حملِ الخَلْقِ على الدعوةِ الواحدة». «نهايةُ المَطلَب» (17/ 364).

مختصر الجواب

مضمونُ السؤال: 

  إن الزمانَ قد تغيَّر، والعصرَ الذي نعيشُ فيه ليس عصرَ السلَف؛ وهذا مِن وجهةِ نظرِ صاحبِ السؤال؛ فهو يَجعَلُ في التسليمِ لهم في فهمِهم طعنًا في صلاحِيَةِ الوحيِ لكلِّ زمانٍ ومكان.

مختصَرُ الإجابة:

إننا نسلِّمُ بتغيُّرِ الزمانِ والمكان، وأن لذلك أثرًا في النظَرِ الفِقْهيِّ للفتوى؛ لكنْ نقولُ: إن القضايا المستجِدَّةَ والحادثةَ ليست بحاجةٍ إلى فهمٍ جديدٍ للنصِّ يختلِفُ عن فهمِ السلف، وإنما تحتاجُ إلى فقيهٍ يَفهَمُ النصَّ على حقيقتِهِ - باستخراجِ العلَّةِ أو الوصفِ المؤثِّرِ في الحُكم - كما فَهِمَهُ السلفُ (تخريج المناط)، ثم ينقِّحُ العلَّةَ مِن ذلك الحكمِ الذي دَلَّ عليه النصُّ، ويبيِّنُها، ويخلِّصُها مِن العِلَلِ غيرِ المؤثِّرةِ في الحكمِ (تنقيح المناط)، ثم يحقِّقُها على هذه القضيَّةِ المستجِدَّةِ المعيَّنةِ المشخَّصةِ التي تحتاجُ إلى بيانِ الحكمِ الشرعيِّ فيها (تحقيق المناط)؛ وهذه مُهِمَّةُ الفقيهِ في كلِّ زمانٍ ومكان.

وبذلك نُغلِقُ البابَ أمام العَلْمانيِّين الذين ينادُون بتاريخيَّةِ النصِّ، وهي دعوى تؤدِّي إلى انتهاكِ قُدْسيَّةِ النصِّ الشرعيِّ؛ ليتحوَّلَ مِن حاكمٍ إلى محكوم، وتكونَ المرجعيَّةُ للإنسانِ والواقع، ويكونَ النصُّ مجرَّدَ غطاءٍ للتبرير.

وهذه الدعوى تستبطِنُ أساسًا باطلًا، وهو الفهمُ غيرُ الصحيحِ لقاعدةِ: «تغيُّرِ الفتوى بتغيُّرِ الزمانِ والمكان»؛ فحقيقةُ هذه الدعوى: أن أحكامَ الشريعةِ نسبيَّةٌ، وليست مطلَقةً، وأنها أحكامٌ تتعلَّقُ بوقائعَ وحوادثَ جزئيَّةٍ، وأنها ليست صالحةً لكلِّ زمانٍ ومكان.

والحقُّ أنه ما مِن مسألةٍ مِن «مسائلِ الدِّينِ»، إلا وقد تكلَّم فيها السلفُ؛ وهذه المسائلُ على نوعَيْنِ، هما: مسائلُ عِلميَّةٌ يجبُ الإيمانُ بها؛ كالصفاتِ، والقَدَرِ، واليومِ الآخِرِ، ونحوِ ذلك؛ فهذه لا عَلاقةَ لها بتغيُّرِ العصر، ومسائلُ الأحكامِ العمَليَّةِ؛ فهذه يُحقَّقُ مناطُ الحُكمِ فيها، وَفْقًا لمنهجِ السلفِ والأئمَّةِ في ذلك، ومِن ثَمَّ تغيُّرُ الفتوى فيها متوقِّفٌ على تحقيقِ المناطِ، والمناطُ قد يتغيَّرُ في العصرِ الواحد؛ وعليه فلا عَلاقةَ بين تغيُّرِ الحُكمِ نفسِهِ، وتغيُّرِ العصر، مع مراعاةِ المشابَهةَ بين الناسِ في العاداتِ والأحوالِ التي تمُرُّ بها البشَريَّةُ في شتَّى أعصارِها؛ وهذا أمرٌ مسلَّمٌ به.

الجواب التفصيلي

إن الدعوةَ إلى عدمِ تجاوُزِ فهمِ أصحابِ القرونِ الثلاثةِ الأُولى للقرآنِ الكريمِ: توجُّهٌ خطيرٌ؛ حيثُ إنه يحصُرُ معانيَ القرآنِ في دائرةِ فهمِ زمَنٍ محدَّدٍ، ومَن في مستوى نَسَقِهم المعرفيّ.

خاتمة الجواب

خاتِمةُ الجواب - توصية:

إن هذه الشبهةَ مما أثاره بعضُ أصحابِ الاتِّجاهاتِ التنويريَّةِ والعَلْمانيَّةِ والحَداثيَّة، وهم على درَجاتٍ في موقِفِهم مِن مبدأِ تطبيقِ الشريعة، ومما يَلفِتُ النظرَ: أنهم - مع كثرةِ طعونِهم في فقهِ السلفِ وفهمِهم - لم يُنتِجوا فقهًا مكتمِلًا يَشمَلُ جميعَ أحكامِ الشريعة؛ بحيثُ يُمكِنُ الرجوعُ إليه في إقامةِ الشريعةِ في شؤونِ الناسِ وتصرُّفاتِهم؛ وهذا يُثيرُ الشكَّ في صدقِهم في تبنِّي مسألةِ إقامةِ الشريعة. ونُريدُ أن نَختِمَ جوابَ هذه الشبهةِ: بإيرادِ نصٍّ لأحدِ الفقهاءِ، مِن غيرِ المحسوبين تاريخيًّا على مدرسةِ أهلِ الحديث، بل هو معدودٌ مِن أئمَّةِ الكلامِ، الذين لا تقفُ منهم تلك الاتِّجاهاتُ موقِفًا عدائيًّا، وهو شيخُ الإمامِ الغزَاليِّ، ونعني به: إمامَ الحرَمَيْنِ الجُوَيْنيَّ، حيثُ يبيِّنُ في هذا النصِّ المآلَ الخطيرَ لدعوى: «تغيُّرِ الأحكامِ بتغيُّرِ الزمانِ والمكان»؛ حيثُ يقولُ: «ولو كانت قضايا الشرعِ تختلِفُ باختلافِ الناس، وتناسُخِ العصور، لانحَلَّ رباطُ الشرع، ورجَعَ الأمرُ إلى ما هو المحذورُ مِن اختصاصِ كلِّ عصرٍ ودهرٍ برأي؛ وهذا يناقِضُ حِكمةَ الشريعةِ في حملِ الخَلْقِ على الدعوةِ الواحدة». «نهايةُ المَطلَب» (17/ 364).